مصطفى صادق الرافعي

149

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

أسبابا لانقطاع العرب دونه وانخذالهم عنه ، وتلك أسباب لا يمكن أن يكون شيء منها في كلام بلغاء الناس من أهل هذه اللغة . لأنها خارجة عن قوى العقول وجماع الطبائع ، ولا أثر لها بعد في نفس كل بليغ يعرف ما هي البلاغة وكيف هي ، إلا استشعار العجز عنها والوقوف من دونها . وإنما تلك الجهات صفات من نظم القرآن وطريقة تركيبه ، فنحن الآن قائلون في سر الإعجاز الذي قامت عليه هذه الطريقة وانفرد به ذلك النظم ؛ وهو سر لا ندّعي أننا نكشفه أو نستخلصه أو ننتظم أسبابه ، وإنما جهدنا أن نومئ إليه من ناحية ونعين بعض أوصافه من ناحية ، فإن هذا القرآن هو ضمير الحياة العربية ، وهو من اللغة كالروح الإلهية التي تستقر في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود ؛ ثم لا يدلّ عليها حين التعرف إلا بصفات كل نفس لمواقع تلك الآثار منها ، كأن هذه الروح تحاول أن تفصح عن معاني النبوغ الفني في آثارها الخالدة ، فلا تجد أقرب إلى غرضها من أن تهيج الإحساس بها في كل نفس ، فيجزئ ذلك في البيان عنها ، لأن الإحساس إنما هو اللغة النفسية الكاملة . والكلام بالطبع يتركب من ثلاثة حروف هي من الأصوات ، وكلمات هي من الحروف ، وجمل هي من الكلم . وقد رأينا سر الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلها بحيث خرجت من جميعها تلك الطريقة المعجزة التي قامت به ؛ فليس لنا بد في صفته من الكلام في ثلاثتها جميعا . ولا يذهبن عنك أن هذه المذاهب الكلامية التي بنيت عليها علوم البلاغة ووضعت لها أمثلة هذه العلوم ، إنما هي من وراء ما نعترضه في هذا الباب فليست من غرضنا في جملة ولا تفصيل ، وحسبك فيها كتاب ( دلائل الإعجاز ) لعبد القاهر الجرجاني « 1 » ، ونحن إنما نبحث في القرآن من جهة ما انفرد به في نفسه على وجه الإعجاز ، لا من جهة ما يشركه فيه غيره على أي وجه من الوجوه وأنواع البلاغة مستفيضة في كل نظام سوي وكل تأليف مونق ، وكل سبك جيّد ، وما كان من الكلام بليغا فإنه بها صار بليغا ، وإن كانت هي بعد في أكثر الكلام إلى تفاوت واختلاف . ومن أظهر الفروق بين أنواع البلاغة في القرآن ، وبين هذه الأنواع في كلام البلغاء ، أن نظم القرآن يقتضي كلّ ما فيه منها اقتضاء طبيعيا بحيث يبنى هو عليها لأنها في أصل تركيبه ، ولا تبنى هي عليه ؛ فليست فيها استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا شيء

--> ( 1 ) أما إن أردت أن تعرف أنواع البلاغة في آيات القرآن والتمثيل منها لكل نوع فليس أوفى بغرضك من « كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان » لابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 ه - وقد جمعه من أمهات الكتب المصنفة في البلاغة ، فكان في ذلك الغرض بها جميعا ، وطبع في مصر كما طبع فيها « دلائل الإعجاز » .